غزة:
"إحنا الثلاثة سوى، رايحين نشمّ الهوى" سوف لن يغنّيها عبد الحميد ومحمّد وخالد بعد اليوم، سوف لن يخرجوا للعب على الدراجات الهوائية، سوف لن يركضوا في الشارع ولن يلعبوا الكرة، ولن تسمع الجدران ضحكاتهم وتشهد على فرحهم، وأمّا مدرستهم؟ فستبقى أماكنهم فارغة بين زملائهم، هكذا قرّرت إسرائيل، أن تقتلهم بصاروخ بينما كانوا ينصبون شباكًا للعصافير في منطقة حدودية قريبة من منازلهم.
عند مساء الثامن والعشرين من أكتوبر / تشرين الأوّل، هزّ انفجار قوي منطقة "وادي السلقا" شرقي مدينة ديح البلح التي تتوسّط قطاع غزّة، تبيّن لاحقًا أن قصفًا استهدف أطفال في منطقة قريبة من منزلهم، تبعد مسافة الكيلو عن السياج الأمني مع الاحتلال الذي منع في بادئ الأمر سيارات الإسعاف من الدخول إلى المكان وإنقاذ حياتهم، حتى أعلنت الصحّة أنها انتشلت جثامين ثلاثة أطفال.
خالد بسام محمود أبو سعيد (14 عاماً)، وعبد الحميد محمد عبد العزيز أبو ظاهر (13 عاماً) ومحمد إبراهيم عبد الله السطري (15 عاماً)، إنها أسماء الأطفال الشهداء، وجميعهم من سكان قرية وادي السلقا جنوب شرق دير البلح.
يتوجهوا إلى المدرسة كل صباح، وبعد عودتهم يقضون وقتهم في اللعب في محيط منطقة سكنهم، لكنهم لم يعلموا هذه المرة أن أجسادهم ستتحول إلى أشلاء تتبعثر بفعل صاروخ إسرائيلي باغتهم أثناء لعبهم.
خالد سعيد 14 عامًا؛ الذي خسر منزله أكثر من مرّة بسبب الحروب التي تشنّها إسرائيل على غزّة، غادر بعد شهرٍ واحد فقط بناء منزله الجديد.
تقول والدته "قبل استشهاده بساعة تقريبًا، كنت معهم في البيت وكانت شقيقته تعدّ طعام العشاء، تناوله ثم راح ليذاكر دروسه وأنا انشغلت بالمتابعة مع شقيقه، فجأة لم أجده في المنزل واعتقدت أنه خرج لينفّس عن نفسه في اللعب على الكمبيوتر بأحد المحلات المجاورة، حتى ضربني خبر استشهاده".
وتتساءل الأم التي بالكاد كانت تحاول التماسك "لماذا قتلوهم؟ هؤلاء أطفال كان الاحتلال يستطيع أن يعتقلهم بدلًا من أن يقتلهم، خاله استشهد وابني استشهد ومنزلنا دمّر أكثر من مرة، ماذا تبقى اليوم لي بعد رحيل خالد؟".
"إنت حنونة يمّه" بهذه الكلمات تتذكّر عائشة أبو ضاهر طفلها الشهيد عبد الحميد قبل أن تقتله إسرائيل وهو يلعب مع أصدقائه، إلى أن سمعت نبأ استشهاده من الجيران.
"كان صديقي، الأقرب والأحبّ إلى قلبي، وحيدي المدلّل، ورفيقي الذي يلبّي طلباتي ويساعدني في تدبير الأمور المنزلية من تعبئة المياه وري الأشجار" تقول عائشة، وتضيف أنها لم تصدّق حتى اللحظة أنه غادر، تتخيّله ذهب ليلعب مع أصدقائه وسوف يعود لاحقًا، متسائلة "معقول أن عبد الحميد استشهد؟ هكذا انتهت حياته فعلًا؟".
حسب توثيق مركز الميزان لحقوق الإنسان، فقد أطلقت طائرة استطلاع حربية إسرائيلية، صاروخاً واحداً على الأقل تجاه ثلاثة أطفال كانوا بالقرب من السياج الفاصل جنوب شرق دير البلح.
وتفيد التحقيقات الميدانية أن طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني توجهت للمكان بعد تلقيها إشارة عن وجود مصابين محتملين وتوقفت بالقرب من شارع جكر مقابل بوابة كيسوفيم، وبعد لحظات أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار في المكان ولم تسمح لطواقم الإسعاف القيام بواجبها.
وبعد حوالي ساعة من التوقف والانتظار أبلغ الارتباط الفلسطيني طاقم الإسعاف بالانسحاب من المكان لرفض قوات الاحتلال السماح لهم بالدخول الى المنطقة، وبعد انسحاب طاقم الإسعاف إلى مركز اسعافات خان يونس، أبلغ الارتباط الفلسطيني طاقم الإسعاف بالسماح لهم بالدخول والبحث في المنطقة عن المصابين، وعليه توجهت ثلاثة سيارات اسعاف وتمكنت من العثور على جثث (3) أطفال مصابين بشظايا بجميع انحاء الجسم، على بعد عشرات الأمتار من السياج الحدودي الفاصل وشاهد أحد المسعفين بالقرب من أحدهم حفرة بقطر (4) انش، حيث جرى نقلهم إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح.
الجدير ذكره، أن إسرائيل قتلت 579 طفلًا خلال حرب 2014 على قطاع غزّة، وجرحت 3374، كما قتلت العشرات من الأطفال خلال مسيرات العودة التي انطلقت منذ 30 مارس / آذار للعام الجاري، كما جرحت وأصابت المئات منهم.
























